فِي هَذَا التَّعْبِيرِ عَنِ السُّودَانِ، نَبْحَرُ فِي عُمْقِ تَارِيخِهِ وَمَسْرَاهُ الْقَدِيمِ، وَنَسْتَلْهِمُ مِنْ جَمَالِ طَبِيعَتِهِ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا الصَّحَارَى الشَّامِخَةُ، وَالجِبَالِ الشَّاهِقَةِ، وَغَابَاتِ الجَنُوبِ الوَارِفَةِ. كَمَا نُسَافِرُ عَبْرَ حَضَارَتِهِ الغَنِيَّةِ وَأَمْجَادِهِ الأُسْطُورِيَّةِ. فَالسُّودَانُ بَلَدٌ عَرِيقٌ يَعِجُّ بِالتَّقَالِيدِ وَالمُوَرَّثَاتِ، يَفْتَخِرُ شَعْبُهُ بِإِرْثٍ ثَرِيٍّ يَتَجَسَّدُ فِي الثَّقَافَةِ السُّودَانِيَّةِ بِرُوعَتِهِ وَتَنَوُّعِهِ. عَبْرَ هَذِهِ الهَمَسَاتِ الأَدَبِيَّةِ، نَسْلُكُ طُرُقَ المَاضِي السَّحِيقِ، وَحِكَايَا البُطُولَةِ الَّتِي خَلَّدَهَا بَنُو النِّيلِ، وَنَرْنُو إِلَى آفاقِ الحَاضِرِ بِإِيْمَانٍ وَثِقَةٍ فِي مُسْتَقْبَلٍ زَاهِرٍ.
إِنَّ الطَّبِيعَةَ فِي السُّودَانِ تَخْطِفُ الأَنْظَارَ بِأَلْوَانِهَا الخَلَّابَةِ: مِنْ صُوبِ النِّيلِ الأَبْيَضِ المُتَدَفِّقِ تَحْتَ سَمَاءِ الخُرْطُومِ، إِلَى صُوبِ النِّيلِ الأَزْرَقِ العَاصِفِ فِي بُحَيْرَةِ تَانِيَةَ. كَمَا نَسْتَمِعُ إِلَى مُوسِيقَى القُلُوبِ الَّتِي تَنْبُضُ بَيْنَ أَسْوَاقِ المَدِينَ وَالقُرَى، وَنُدْرِكُ عُمْقَ اللَّحْمَةِ بَيْنَ الشَّعْبِ السُّودَانِيِّ وَتَارِيخِهِ العَظِيمِ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَى صُمُودِهِ وَإِبْدَاعِهِ. إِنَّ التَّنَوُّعَ الثَّقَافِيَّ فِي السُّودَانِ، الَّذِي يَنْبُعُ مِنْ تَعَدُّدِ القَبَائِلِ وَالمَنَاطِقِ، يَعْكِسُ رُوحًا وَطَنِيَّةً جَامِعَةً رَغْمَ اخْتِلَافِ العَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ.
حَضَارَةُ السُّودَانِ العَريقَةُ
السُّودَانُ، بِأَرْضِهِ الطَّيِّبَةِ، تَزْرَعُ جُذُورَ حَضَارَتِهِ فِي عُمْقِ التَّارِيخِ مُنْذُ فَجْرِ الإِنْسَانِيَّةِ. فَفِي جَنُوبِهِ انْبَثَقَتْ حَضَارَاتٌ عَظِيمَةٌ، كَحَضَارَةِ السُّودَانِ النُّوبِيَّةِ (حَضَارَةِ كُوشَ)، الَّتِي شَيَّدَتْ مَمَالِكَ كَبُوشِيَّةَ وَمَرْوَى، فَبُنِيَتْ أَعْمِدَتُهَا وَأَهْرَامَاتُهَا لِتَظَلَّ شَاهِدًا خَالِدًا عَلَى عَظَمَةِ أَبْنَائِهَا وَمَجْدِهِمْ. وَقَدْ كَانَ نَهْرُ النِّيلِ المُهِيبُ رَفِيقَ هَذِهِ الحَضَارَاتِ، إِذْ تَوَافَدَ شَعْبُهَا عَلَى ضِفَافِهِ يَزْرَعُ وَيَحْصُدُ تَحْتَ ظِلِّ أُفُقٍ لاَ تَنْتَهِي حُدُودُهُ، فَكَانَ شَرْيَانَ الحَيَاةِ وَمَصْدَرَ الخُصْبِ وَالأَمَانِ.
الطَّبِيعَةُ الخَلَّابَةُ فِي السُّودَانِ
تَمْتَلِكُ السُّودَانُ مَشْهَدًا طَبِيعِيًّا فَرِيدًا بَيْنَ دُوَلِ العَالَمِ. فَفِي شَمْسِهَا الذَّهَبِيَّةِ تَغْفُو الصَّحَارَى الشَّامِخَةُ، وَتَزْدَهِرُ فِيهَا جِبَالٌ مُدْهِشَةٌ. تَتَعَانَقُ رِمَالُ النُّوبَةِ تَحْتَ سَمَاءِ فِيرُوزِيَّةٍ مَشْغُوفَةٍ، وَتَضْجُّ وِدْيَانُهَا بِحَيَاتِهَا القَدِيمَةِ. فِي الجَنُوبِ، تُهْدِي الغَابَاتُ الاسْتِوَائِيَّةُ الغَنَّاءُ النَّسَمَاتِ البَارِدَةَ، وَتَغْنِي فِيهَا الطُّيُورُ بِأَلْحَانِ الفَجْرِ الوُضَّاءِ. إِنَّ نَهْرَ النِّيلِ العَظِيمَ يَنْسَابُ بِهُدُوءٍ وَجَلَالٍ، يُغْذِي السُّهُولَ وَيُخْصِبُ حُقُولَ الأُرُزِّ وَالقَمْحِ، وَيُحَافِظُ عَلَى تَوَازُنِ بِيئَتِهِ الفَرِيدَةِ. وَتُعَانِقُ البُحَيْرَاتُ المُتَفَرِّقَةُ عَلَى طُولِ الأَنْهَارِ الأُفُقَ الأَزْرَقَ، فِيمَا تَشِقُّ البُحَيْرَاتُ الكُبْرَى نَسِيجَ السُّودَانِ الجُغْرَافِيِّ. إِنَّ كُلَّ زَاوِيَةٍ فِي السُّودَانِ تَبْدُو كَلَوْحَةٍ فَنِّيَّةٍ تَبْدَعُهَا الطَّبِيعَةُ، مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَوْقَ جِبَالِ دَارْفُورَ إِلَى فَجْرِهَا فَوْقَ سُهُولِ الجَزِيرَةِ.
الثَّقَافَةُ السُّودَانِيَّةُ وَالشَّعْبُ
تُجَسِّدُ الثَّقَافَةُ السُّودَانِيَّةُ رُوحَ الأُمَّةِ وَعَراقتهاِ. فَهِيَ مَزِيجٌ مُخْتَلِطٌ مِنْ تَقَالِيدِ الشُّعُوبِ الَّتِي أَثَّرَتْ فِي التَّارِيخِ، مِنَ العَرَبِ إِلَى النُّوبَةِ وَالمَنْدَنِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ. يُعْرَفُ الشَّعْبُ السُّودَانِيُّ بِحَفَاوَةِ الضِّيَافَةِ وَابْتِسَامَتِهِ الدَّافِئَةِ، فَهُوَ يَسْتَقْبِلُ ضُيُوفَهُ بِقَهْوَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَتَمْرٍ مُحَلَّى بِالجِنْزَبِيلِ، وَتَرْقُصُ مَعَهُ أَلْحَانُ الرِّبَابِ وَالمِسْرَةِ.
تَفُوحُ الأَلْوَانُ التَّقْلِيدِيَّةُ مِنَ الأَسْوَاقِ الشَّعْبِيَّةِ، وَيَحْكِي كُلُّ زِيٍّ وَنَقْشٍ حِكَايَةَ قَبِيلَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ مُتَوَارَثَةٍ. فَالْقِصَّةُ الأَدَبِيَّةُ الْيَوْمَ تُضِيءُ عَلَى تِلْكَ الهُوِيَّةِ الجَمَاعِيَّةِ الَّتِي تَتَلَاشَى فِيهَا الفُرُوقُ، فَيَتَفَاخَرُ السُّودَانِيُّونَ بِانْتِمَائِهِمُ المُشْتَرَكِ، فَالتَّنَوُّعُ فِي الهَوَايَا وَالعَادَاتِ يَكْمُنُ فِي الوَحْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُهُمْ فِي صَحْرَاءٍ تَسْبَحُ بِهُدُوءِهَا، وَغَابَاتٍ وَارِفَةٍ شِتَائِيًّا. وَبِهٰذَا التَّعْبِيرِ عَنِ السُّودَانِ نَرْسُمُ لَوْحَةً وَطَنِيَّةً يَتَنَاغَمُ فِيهَا المَاضِي مَعَ الحَاضِرِ، مُجَدِّدِينَ العَهْدَ بِمُوَاصَلَةِ الكِتَابَةِ عَلَى صَفَحَاتِ المُسْتَقْبَلِ بِثِقَةٍ وَفَخْرٍ.