تُعد القبيلة البديرية (من بُنو جعلي) من أقدم القبائل العربية التي استوطنت السودان. فقد هاجرت القبيلة البديرية إلى وادي النيل خلال القرن الثاني عشر الميلادي، وفقًا للتقاليد الشفهية، ويعزو ذلك الكثير إلى تبوئها موقعًا مبكرًا في التكوين السكاني للمنطقة. ويُشير عدد من المصادر التاريخية إلى أن البديرية، المنتمية لقبيلة جعلي العربية المعروفة، تعود نسبها إلى الإمام العباسي إبراهيم جعَل بن عبد المطلب الأخ غير الشقيق للنبي محمد. وينسب الباحثون جزءًا كبيرًا من هذه القبيلة إلى الأشراف العباسيين، مع دمج نسيجها العرقي بالأعراق النوبية الأصلية للسودان.
تتولى هذه المقالة وضع دليل شامل حول القبيلة البديرية (أو ما يُعرف بـ«جعليون»)، باعتبارها «أول قبيلة عربية في السودان»، متعرضةً لأصولها وتاريخها وتوزعها الجغرافي وثقافتها، مع ذكر أهم الأحداث التاريخية والأشخاص البارزين المنتمين إليها. سنبين أيضًا الأدلة التاريخية التي جعلت البعض يعتبرونها القبيلة الأولى في البلاد.
أصل القبيلة وتاريخها
تنحدر البديرية من القبائل العربية التي هاجرت قادمة من الحجاز وشمالي الجزيرة العربية، وسكنت النيل في السودان. وتشير الدراسات والتواريخ المعاصرة إلى أن البديرية جزءٌ من قبيلة جعلي الكبرى، حيث تتبّع قبيلة جعلي نسبها إلى جعَل بن عبد المطلب، العم العباسي للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. يقول البعض إن قبيلة البديرية ترجع إلى بقايا عرب بني هاشم الذين استقرّوا في السودان وتعربوا مع مرور الزمن، وقد أشارت مصادر تاريخية إلى أنهم كانوا خليطًا من العرب والمجموعات النوبية المحلية.
تعود أقدم الإشارات التاريخية إلى عصور ما قبل الإسلام وإلى أوائل العصور الإسلامية، حيث ساد الاعتقاد بوجود اتصالات بين أهل النيل والأشراف العباسيين. ويؤكد المؤرخون أن القبائل العربية الأولى في السودان همّت بالقدوم منذ القرن الثاني عشر الميلادي، وكانت قبيلة جعلي (التي تضم البديرية) من أوائل هذه الموجات. وجاءت في المصادر: «قبائل العرب وصلت السودان في ثلاث موجات رئيسة، بدأت بجعاليين في القرن الثاني عشر».
على مدى القرون التالية، استوطن أفراد البديرية في ضفاف النيل الممتدة بين الخرطوم وشندي وحتى أبو حمد، فكانوا ينسجون علاقات ثقافية مع السكان المحليين. وخلال العصور الوسطى، كان البديرية خاضعين لفترات طويلة لحكم سلطنة سنار (الفونج)، لكنهم احتفظوا بنسبة من الاستقلال المعياري. وفي بدايات القرن التاسع عشر شهدت القبيلة مواجهات تاريخية مع الغزاة، حيث ثارت على القوات المصرية الغازية عام 1822 بقيادة الملك مِك نِمر، قائد من قوم جعليين، الذي أعدم أمير مصر اسماعيل صبيان محمد علي باشا في شندي. ويرى المؤرخون أن مذبحة إسماعيل كانت إحدى نقاط التحول في تاريخ القبيلة ونضالها ضد الاحتلال.
-
سلسلة أحداث بارزة: 1822 (مذبحة شندي ضد الجيش المصري)، 1884 (القبائل الشمالية تنضم إلى الثورة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي).
تُظهر الصورة أعلاه نموذجًا لمأوى بدوي تقليدي ريفي في السودان، يعكس نمط الحياة الرعوية البسيط الذي اعتمدته القبائل البديرية وأهل المنطقة. ويلاحظ أن أسلوب حياة البديرية يجمع بين الزراعة البسيطة وتربية الماشية في بيئات نيلية وصحراوية، حيث كان الرعي جزءًا مهمًا من معيشتهم.
الانتشار الجغرافي والسكان
ينتشر أبناء القبيلة البديرية بشكل رئيسي على ضفاف نهر النيل في شمال السودان. فمركزهم التاريخي هو مدينة شندي وما حولها، وقد امتدت مستوطناتهم إلى مناطق الجزيرة ونهر عطبرة. ويبلغ تعداد القبيلة اليوم أكثر من 2.8 مليون نسمة، حسب إحصاءات حداثية.
يعيش كثير من أفراد القبيلة في الأحياء الحضرية الكبرى (الخرطوم وأمدرمان والختم)، لكنهم احتفظوا بصلتهم بالأرياف ومناطق النيل. وتعد شندي «عاصمة القبيلة» التاريخية، وهي مدينة بارزة تجمع بين التراث الزراعي والتجاري للسودانيين العرب.
-
حقائق سريعة عن البديرية: ينحدرون من العرب النسب، هاجروا في القرن 12م إلى السودان. يحتلون مساحات كبيرة على ضفاف النيل ويمثلون نسبة معتبرة من سكان السودان. يشكلون واحدة من أبرز قبائل السودان العربية الثلاث في الشمال.
اللغة والدين والثقافة
يتكلم أفراد القبيلة البديرية اللغة العربية السودانية الفصيحة (بلهجة دارجة)، وهي إحدى أقدم لهجات الجزيرة العربية التي انتشرت في السودان. ونتيجة لاستقرارهم المبكر مع عرب الحجاز، حافظت لغتهم على كثير من خصائص العربية القديمة في النحو والنطق.
أما من الناحية الدينية، فغالبية البديرية يتبعون المذهب السني للإسلام. انخرطوا منذ القدم في الثقافة الإسلامية التي انتشرت بالسودان، مع احتفاظهم بعادات اجتماعية قبلية وعرفية خاصة بهم. وتشير المصادر إلى أن الحضارات القديمة (مثل النوبة ومروي) تركت تأثيرها على التكوين الثقافي لمنطقة النيل، والقبائل العربية كالبديرية تمازجت مع هذه الثقافة المحلية مع الوقت.
أهم الشخصيات المنتمية للقبيلة
نشأت من القبيلة البديرية شخصيات بارزة في التاريخ السوداني الحديث، سواء من رجال النضال أو السياسة. من أشهر هؤلاء:
-
مِك نِمر المجذوب – ملك جعلية في شندي (قُتل في 1822) اشتهر بقيادة مقاومة ضد الغزو المصري.
-
عمر حسن أحمد البشير – الرئيس السوداني الأسبق (ولد 1944)، من قبيلة البديرية بولاية نهر النيل. كان البشير أبرز زعماء السودان منذ انقلاب 1989 وحتى 2019، وانحدر من الأسرة العباسية جعلي الأصل (بنو بدري).
-
عبد الفتاح البرهان – رئيس مجلس السيادة السوداني (من 2019)، أصله من منطقة جعلي في شمال السودان.
-
الشخصيات السياسية والدينية الأخرى: مثل الشيخ محمد الأمين التهامي (مرشد عام أنصار السنة، المولود في الجنينة لأسرة جعليّة) وآخرون، علماً بأن العديد من كبار السياسيين السودانيين يعودون إلى أصول جعلية.
دليل ثبوت الأسبقية والتاريخ
يتداول بعض المؤرخين وثائق وأحاديث تشير إلى أن القبيلة البديرية (الجعليون) كانت من أوائل قبائل العرب التي استقرت في السودان. فالمصادر التاريخية الأجنبية تُجمع على أن جعليي القرن الثاني عشر شكلوا الموجة الأولى من العرب البادئين بالإقامة في هذه البلاد. ويوضح كتاب «السودانيون العرب» أن العرب وصلوا بثلاث موجات رئيسة، وكانت البداية مع جعليي الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر.
وتدعم هذا الطرح أيضاً مصادر مثل «تاريخ العرب في السودان» القديمة، ومراجع الجغرافيا التاريخية التي ذكرت حُضور جعلي نوبي مبكر في نهر النيل الأوسط. كما أشار كتاب آخر إلى أن البديرية كانت أول القبائل الشمالية انضماماً للدعوة المهدية عام 1302هـ/1884م، مما يدل على قدم وجودها ونفوذها آنذاك.
بالإضافة إلى الروايات الشفهية والتأريخ القبلي، هناك أدلة أثرية عامة عن حضارة السودان الأولى (كحضارة مروي) تُثبت أن سكان وادي النيل بدأوا بالتجمع مبكراً جداً. ورغم أن حضارة مروي ليست «قبيلة» بمعناها الحديث، إلا أن اختلاط الأعراق في المنطقة ظل مستمراً عبر التاريخ. ولذا يعتمد الباحثون في إثبات «أولوية القبيلة» على التقاليد التاريخية ومصادر علم الأنساب، ومن هذه الأدلة قولهم إنه «قبل كل القبائل جعلية جاء جعليون».
كل هذه المعطيات التاريخية تُغري بوصف البديرية بأنها «أول قبيلة عربية أسست وجودها في السودان». ومع أن مصطلح «أول قبيلة» قد يثير النقاش بين المؤرخين، فإن المؤيدين للاعتقاد بقديمة البديرية يستندون إلى كونها كانت بين أوائل مجموعات العرب النازحين إلى السودان.
الخلاصة
لقد قدمنا في هذا الدليل نظرة مفصلة وشاملة عن القبيلة البديرية (جعلي العرب)، التي تُوصف في بعض الروايات الشعبية بأنها أول قبيلة في السودان. استعرضنا أصلها ونسبها العباسي، وتفاصيل استيطانها المبكر على ضفاف النيل منذ القرن الثاني عشر الميلادي. كما سردنا أهم الأحداث التاريخية المرتبطة بها (مثل ثورة مك نمر في 1822م ودورها في الثورة المهدية) وأشرنا إلى شخصياتها المشهورة كالرؤساء البشير والبرهان. كل هذه المعلومات – المدعومة بمصادر تاريخية موثقة – تُثبت دور القبيلة البديرية القديم والمميز في السودان. يُمكن القول إن البديرية تشكّل منطلقًا مهمًا في تاريخ السودان العربي، مما يجعلها تستحق لقب «أول قبيلة عربية في السودان» وفق منظور العديد من الباحثين والمهتمين بتراث البلاد.