لا شك أن التعليم في السودان بين الماضي والحاضر يُمثِّل قصة تطور طويلة ومليئة بالتحديات، يعكس تاريخ التعليم في السودان وتطوّر نظام التعليم السوداني عبر العصور. سنستعرض في هذا المقال ملامح هذا التطور التاريخي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بدءًا من العهود التقليدية مرورًا بحكم الاستعمار، ومراحل ما بعد الاستقلال، وصولاً إلى العصر الحديث وما يرافقه من تقنيات حديثة وهجرة للمواهب. كما سنسلط الضوء على مشكلات التعليم في السودان الحالية، والعوامل المؤثرة فيها، ونقترح حلولًا عملية للمضي قدمًا في تطوير التعليم السوداني.
التعليم في السودان في العهد الاستعماري
-
قبل القرن التاسع عشر: كان التعليم في السودان تقليديًا في الخلاوي والكتاتيب الدينية، حيث كان الفقهاء يحفظون القرآن ويعلّمون الطلاب القراءة والكتابة والحساب البسيط. لم تكن هناك مدارس نظامية بمعايير حديثة خارج الأطر الدينية.
-
في عهد محمد علي (1821–1885): مع فتوح السودان على يد الجيش المصري بقيادة محمد علي باشا، بدأت تظهر المحاولات الأولى للتعليم النظامي. افتُتحت أول مدرسة ابتدائية في الخرطوم عام 1821م تحت إشراف رفاعة الطهطاوي، ما مثّل نقلة نوعية من التعليم الديني إلى التعليم الرسمي.
-
عهد الثورة المهدية (1885–1898): بعد انطلاق الثورة المهدية، اتُّجهت الثورة إلى حصر التعليم في حفظ القرآن الكريم وتعاليم الدين فقط، فأُقفلت الكثير من المدارس النظامية، وظل التعليم يرتكز على الخلاوي مجددًا.
-
الحكم الثنائي (1899–1956): مع استعادة السودان للحكم المصري-البريطاني، توسعت المدارس النظامية تدريجيًا. ففي عام 1902م افتُتحت كلية غوردون التذكارية في الخرطوم لتنمية التعليم الثانوي. زادت الحكومة عدد المدارس الابتدائية والثانوية في العواصم والمحافظات، بينما بقيت الخلاوي تنتشر في الأرياف لتعليم أساسيات القراءة والكتابة والحساب.
التعليم بعد الاستقلال
-
عام 1956 (الاستقلال): ورث السودان نظامًا تعليميًا على النمط البريطاني. خصّصت الدولة آنذاك نحو 15.5% من الموازنة للتعليم (حوالي 45 مليون جنيه سوداني)، مما دعّم 1778 مدرسة ابتدائية تضم نحو 208,688 تلميذاً، و108 مدارس متوسطة بـ14,632 تلميذًا، و49 مدرسة ثانوية بـ5,423 طالبًا. وقد بلغت نسبة محو الأمية بين الكبار آنذاك 22.9%.
-
فترة الستينات والسبعينات (عهد النميري): شهدت هذه المرحلة عقد مؤتمر قومي للتعليم عام 1969، وإعادة هيكلة شاملة للنظام التعليمي. وضع الوزير محيي الدين صابر التعديل الأول للسلم التعليمي (6 سنوات ابتدائي + 3 إعدادي + 3 ثانوي بأنواعها) لتلبية حاجات التنمية. توسعت المدارس في مختلف الأقاليم بما فيها جنوب السودان (آنذاك) خلال فترة قصيرة من السلام، وأُنشئت معاهد لتأهيل المعلمين.
-
التحديات المتزايدة: مع تزايد السكان وارتفاع معدلات المواليد، ظلّت نسبة الأمية مرتفعة بالرغم من الجهود الحكومية، إذ ارتفعت من 22.9% في 1956 إلى نحو 30% بحلول 1990.
-
فترة التسعينات (عهد الإنقاذ الوطني): في عام 1990 شرعت الحكومة في إصلاح جذري للتعليم، مُعلنة إسلامية المناهج وفق توجيهات جديدة. تم تخصيص 400 مليون جنيه لتمويل المرحلة الأولى من هذا الإصلاح. شمل المنهج الجديد مساقاً إلزامياً مستوحى من القرآن الكريم والحديث، ومساقاً اختيارياً لمواد أخرى.
-
دستور 2005 وإلزامية التعليم: نصَّ الدستور الانتقالي لعام 2005 على أن التعليم الابتدائي في السودان يجب أن يكون إلزاميًا ومجانيًا، تعبيرًا عن التزام الدولة بتعميم التعليم الأساسي.
التعليم خلال الحروب والنزاعات
-
الحروب الأهلية: عمَّت الحروب الأهلية الأولى (1955–1972) والثانية (1983–2005) أجزاء واسعة من السودان؛ وأسفرت عن توقف الدراسة في مناطق الجنوب (السودان الجنوبي سابقاً) وفي مناطق النزاع. ألحق النزاع الثاني أضرارًا كبيرة بالمؤسسات التعليمية في الجنوب، حيث غادر العديد من المعلمين والطلاب الفصول التعليمية.
-
حرب دارفور (2003–الحاضر): أدت الصراعات في إقليم دارفور إلى نزوح جماعي وتدمير عدد من المدارس في الولاية وبعض المناطق المجاورة.
-
الصراعات الحالية (أبريل 2023–الحاضر): تسبب النزاع المسلح الحالي في السودان باضطراب خطير للعملية التعليمية. أُغلقت آلاف المدارس في مناطق الاشتباكات، وتحولت بعضها إلى ملاجئ للنازحين أو تعرضت للنهب والتخريب. ووفقاً لمنظمة اليونسكو ومكتب الأمم المتحدة لشؤون التنسيق الإنسانية، فإن نحو 19 مليون طفل في السودان خُرِجوا من المنظومة التعليمية بسبب الحرب الجارية. كما أدى النزاع إلى انهيار شبه كامل للبنية التحتية التعليمية في المناطق المتضررة.
-
نتائج النزوح والفقر: ترتّب على الحروب نزوح ملايين العائلات وتفاقم حالات الفقر؛ وقد أشار مسؤول رفيع إلى أن عدم الاستقرار الناجم عن النزاعات والفقر وثقافة بعض المناطق التي ترفض تعليم البنات هي من أهم أسباب ارتفاع الأمية.
العصر الحديث والتحولات التكنولوجية
-
التعلم الإلكتروني والرقمي: مع تطور التقنية، بدأت مبادرات التعليم الإلكتروني تدخل الميدان. على سبيل المثال، أطلقت اليونيسف برنامجًا تعليميًا مبتكرًا للأطفال الذين لا يلتحقون بالمدارس في ولايات مثل النيل الأبيض؛ يعتمد البرنامج على أجهزة لوحية بالطاقة الشمسية محمّلة بتطبيقات تعليمية تفاعلية. وقد ساعد هذا النموذج المبتكر في تمكين آلاف الأطفال في المناطق النائية من مواصلة التعلم رغم غياب المدارس التقليدية.
-
الخطط الدولية والدعم: تسعى المنظمات الدولية لإعادة بناء نظام التعليم السوداني. ففي أبريل 2025 اعتمد المجلس التنفيذي لليونسكو خطة تعليمية انتقالية (حتى 2027) بتمويل 400 مليون دولار، تهدف إلى ضمان وصول ملايين الأطفال إلى التعليم وتحسين جودة التدريس وتعزيز النظام التعليمي الوطني. من المنتظر من هذه الخطة أن تفتح مراكز تدريب مهني ويُعاد تأهيل العديد من المدارس.
-
التركيز على الجودة والتعليم التقني: مع تركيز العالم على الألفية الرقمية، بدأت بعض الجامعات السودانية بتقديم برامج دراسات عليا عبر الإنترنت والتعلم عن بعد، كما توسّعت فكرة التعليم التقني والمهني. لكن يظل تحدي ضعف الإنترنت والكهرباء حاجزًا يتطلب بذل جهود إضافية لتفعيل التعليم الإلكتروني بشكل أوسع.
التحديات والمشكلات
تواجه العملية التعليمية في السودان حزمة من التحديات والمشكلات المعقدة:
-
نقص التمويل: لا يتجاوز الإنفاق العام على التعليم نسبة 3% من الموازنة الدولة، وهو مبلغ ضئيل للغاية مقارنة بحجم المشكلة. هذا النقص يؤثر على صيانة المدارس ورواتب المعلمين والموارد التعليمية.
-
تدمير البنية التحتية: نتيجة النزاعات المسلحة الأخيرة، توقفت الدراسة في العديد من المؤسسات التعليمية المتضررة، وتعرض عدد من المدارس للنهب والتخريب. الكثير من التلاميذ فقدوا مقاعدهم الدراسية.
-
نقص الكوادر المؤهلة: هجرة المعلمين الأكفاء خارج السودان لأسباب اقتصادية أو أمنية أدت إلى ندرة في الكوادر التربوية. كما تؤثر اضطرابات الأزمات على استقرار أوقات الدوام المدرسي والتدريب المستمر للمعلمين.
-
البيئة الاجتماعية والثقافية: تساهم بعض العادات والتقاليد في وعي المجتمع بضعف مشاركة بعض الفئات في التعليم. فقد أشار نائب الرئيس السابق بكري حسن صالح إلى رفض بعض الأسر في المناطق التقليدية إرسال البنت إلى المدرسة كمشكلة ثقافية رئيسية.
-
التحصيل المنخفض: حتى قبل الحرب الحالية، كان هناك عددٌ كبير من الأطفال خارج المدارس (قدرته اليونيسف بنحو سبعة ملايين طفل لا يذهبون إلى المدرسة)، وتزداد صعوبة التحاقهم بعد انقطاع طويل.
-
الأمية: ما زال معدل الأمية مرتفعاً، فمثلاً بلغت نسبة الأمية في 2008 نحو 31% من إجمالي السكان، بينها نحو 50% بين النساء و31% بين الرجال.
الحلول المقترحة لتطوير التعليم السوداني
لمواجهة هذه التحديات، يمكن اقتراح عدة إجراءات عملية لتطوير التعليم السوداني ودعم مسيرته:
-
زيادة التمويل وتعظيم الكفاءة: يجب رفع حصة التعليم في موازنة الدولة لتشمل بناء صالات دراسية جديدة وتجهيزها بالأثاث والوسائل التعليمية. كما ينبغي مراقبة جودة الإنفاق لضمان وصول الدعم إلى المدارس والطلاب بشكل فعّال.
-
تعميم التعليم الإلزامي: تطبيق بنود الدستور الانتقالي 2005 عملياً عبر فرض التعليم الأساسي المجاني في جميع الولايات، ومتابعة تفعيلها.
-
تأهيل المعلمين: إنشاء برامج تدريب تأهيلية واسعة للمعلمين، وإعادة تأهيل المعلمين المتعاقدين، وتقديم حوافز مالية ومعيشية لتحفيز بقائهم في المهنة والحد من هجرة الكوادر التربوية.
-
محو الأمية والكبار: إطلاق حملات قومية لمحو الأمية في المناطق التي تراجعت فيها نسب التعليم، تستهدف كبار السن خاصة الفتيات والنساء، مع إشراك المجتمع المدني في برامج التوعية بأهمية القراءة والكتابة.
-
تعزيز مشاركة المجتمع: تشجيع المبادرات الشعبية والمحلية في بناء وتشغيل المدارس (مساهمات أهلية)، ودعم الجمعيات الأهلية للعمل في التعليم.
-
إدخال التكنولوجيا: تعميم استخدام التعليم الإلكتروني والمنصات الرقمية في التعليم الرسمي. فكما أظهرت التجارب، يستطيع التعلم عبر الإنترنت والأجهزة اللوحية المدمجة بالطاقة الشمسية تحسين الوصول إلى التعليم في المناطق المحرومة. لذلك، لا بد من تجهيز المدارس بمحطات إنترنت ومختبرات حاسوب (حيث أمكن) وإعداد محتوى تعليمي رقمي باللغة العربية.
-
دعم النوع الاجتماعي: تبني برامج لتمكين الفتيات من التعليم، من خلال منح دراسية، وحملات توعوية ضد التمييز، وتوفير بنية مدرسية آمنة (تراكيب صحية خاصة بالإناث مثلاً).
-
التعاون الدولي: تعزيز الشراكة مع اليونيسكو واليونيسيف والمنظمات الدولية، للاستفادة من الخبرات والتمويل. على سبيل المثال، تدعم اليونيسكو خطة انتقالية للتعليم تضمن وصول ملايين الأطفال إلى المدارس، ويمكن الاستفادة من مثل هذه الخطط للاستمرار في تحريك عجلة التعليم.
-
إصلاح المناهج: تحديث المناهج لتكون أكثر انفتاحًا وتنوعًا، شاملاً مواد علمية وتكنولوجية وعملية تلائم سوق العمل، إلى جانب بناء قدرات معرفية وصحية وثقافية.
| الفارق | الماضي | الحاضر |
|---|---|---|
| نسبة الأمية الكلية | 22.9% (عام 1956) | 31% (عام 2008) (50% بين النساء، 31% بين الرجال) |
| حصة التعليم في الموازنة | 15.5% من الموازنة العامة (عام 1956) | حوالي 3% من الموازنة الحالية (بسبب الأزمات الاقتصادية) |
| أسلوب التعليم | تقليدي (حفظ القرآن وخط الأمية في الخلاوي) | متنوع (قائم على المناهج الوطنية، وإدخال تكنولوجيا المعلومات) |
| استخدام التكنولوجيا | ضئيل (كتب وأقلام فقط) | متصاعد (حاسوب، إنترنت، تعليم إلكتروني على الأجهزة اللوحية) |
| الانتشار الجغرافي للتعليم | محدود بالمراكز الحضرية (المدارس المركزية قليلة) | واسع نسبيًا (توسع المدارس في الريف والحضر، رغم فجوات كبيرة في بعض الولايات) |
| دور المجتمع الدولي | تكاد تكون محدودة، اعتمدت الحكومة إلى حد كبير ذاتيًا | متنامٍ (مساهمات ومشاريع دولية لليونسكو واليونيسيف والبنك الدولي) |
مستقبل التعليم
يتطلب مستقبل التعليم في السودان إرادة سياسية واضحة ومشاركة مجتمعية فعّالة. إن العزيمة على الإصلاح والاستثمار في الإنسان تجعل من التعليم ركيزة للأمن والسلام والتنمية المستدامة. وكما أكدت اليونسكو، فإن التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وأداة رئيسية لتعزيز السلام والتماسك الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يجب علينا كمجتمع أن نتبنى موقفًا إيجابيًا تجاه التعليم: فالمعرفة هي السبيل لبناء مستقبل السودان المشرق. ولن يتحقق ذلك إلا بتضافر الجهود الحكوميّة والشعبية لرفع مستوى التعليم في كل منطقة، وتشجيع الشباب على طلب العلم، واستثمار التقنيات الحديثة في التعلم. التعليم في السودان بين الماضي والحاضر ليس مجرد عنوان؛ إنه دعوة للتفكير والعمل معًا على ضمان غدٍ أفضل للأجيال القادمة.