لقد شهد السودان فترات أدبية ذهبيّة، فقد تميّز أدبُه الشعري بتنوّع موضوعاته وغناه بالبلاغة والفصاحة. والشعر ـ سواء كان فصيحاً أم دارجاً ـ هو الأداة الأولى للتعبير في السودان عن المشاعر المختلفة وتسجيل الملاحم والأحداث. وفي الشعر السوداني الفصيح نجد ثراءً واضحاً في مواضيع الغزل والحب، والفخر والبطولة، والحكمة، ووصف الطبيعة، والمديح. وسوف نستعرض فيما يلي نماذج متنوعة من هذه الألوان الشعرية، مع ذكر مصادرها وشعرائها.
الغزل والرومانسية
تُعدّ قصائد الغزل السوداني الفصيح من أنقى أمثلة الأسلوب البلاغي العالي في اللغة العربية. فتراه يصف المحبوب بعبارات شديدة التأثير والجمال، وقد تغنّى بها كبار الشعراء. مثلا يقول إدريس جمّاع في قصيدته الغزلية:
“أعلى الجمال تغارُ منا * ماذا عليك إذا نظرنا
هي نظرةٌ تنسى الوقار * وتسعد الروح المعنى”.
وفي هذا البيت، يرسم الشاعر صورة المحبوب متفوقاً جمالاً ومهاباً حتى أن الجمال ذاته “يقار” به. وكذا وصف أقدام المحبوب يذكرنا بحكمة مشهورة:
“والسيفُ في الغمدِ لا تُخشى مضاربهُ * وسيفُ عينيكَ في الحالينِ بتّارُ”.
وقد استعمل هذه المجاز المبتكر لاستعارة مشهورة (السيف في الغمد) في وصف أثر النظرة العاشقة.
ويقدم صديق مدثر في قصيدته “ضنين الوعد” لوحات عاطفية غنائية، مجسّدة بالعاطفة الصادقة. يقول فيها:
“أنا إن شئتَ فمن أعماق قلبي * أرسل الألحان شلالاً رويّا
وأبثُّ الليلَ أسرار الهوى * وأصوغُ الصبحَ ثوباً بابليّا
لا تقلْ إنّي بعيدٌ في الثرى * فخيالُ الشعرِ يرتادُ الثريا”.
هذه الأبيات تصوّر الشاعر وهو يهدي حبه بالموسيقى والكلمات، ويتغنّى بمدى حبه بصور بليغة (الألحان شلال رويّ، الصبح ثوب بابليّ) رغم بعد المسافات، حيث “خيال الشعر يرتاد الثريا”.
ومن نماذج الغزل أيضاً ما كتبه عبّاس الكبّالي من كلماته، وغناه غناء صديق مدثر، في صورة ملحنة تصلنا عن طريق المقطوعات المسجلة. ويقول فيها مطلعُها الذي تناولناه أعلاه، ولها انتشار واسع. تظهر هذه الأبيات بلاغةً وسلاسة عاليتين في التعبير عن الحنين والهوى، ورغم أننا اقتبسناها من مصادر مُسجلة؛ إلا أنها تعبر بوضوح عن روح الغزل الفصيح السوداني.
الفخر والوطنية
تجلّى الفخر في شعر السودان الفصيح بموضوعين رئيسيين: فخرٌ بالوطن والبطولات، وفخرٌ بالإنجازات والماضي المجيد. فقصائد الوطنية والحماس للاحتفاء بتاريخ السودان ونضاله تكثر، لا سيما في حقب الاستعمار وحروب التحرير. يقول محمد عثمان عبد الرحيم في إحدى قصائده الوطنية:
“أيها الناسُ نحنُ مَن نفرٌ * عمروا الأرضَ حيثُ ما قطنوا
حكموا العدلَ في الورى زمناً * أترَى هل يعودُ ذَا الزمانُ؟”.
بهذه الأبيات يُعلن الشاعرُ فخره بتاريخ السودان العريق، ومثل ذلك كثير في شعر “الفخر الوطني”.
ومن أبيات الوطنية أيضاً قصيدةٌ موجهة لكل سوداني، تعاهد بالذود عن البلاد. يقول فيها الشاعر إدريس جمّاع:
“هنا صوتٌ يناديني * نعمْ لبّيك يا أوطاني
دمِي وعزمي وصَدري * كلُّه أضواءُ إيماني”.
يُبرز هذا المقطع الزخم الروحي للنشيد الوطني الذي يحث المواطن على التضحية والفداء بكل قلبه وإيمانه لأجل الوطن. وقد استُخدم هذا النشيد في حفلات وطنية ورسم كتراتيل للانتفاضات.
وللمشاركة في الحماسة الوطنية أيضاً، قصائدٌ تفيض بأخلاق الشجاعة والتضحية. يقول عبد الله البنا ـ أحد شعراء الثورة المهدية:
“الحربُ صبرٌ واللقاءُ ثباتٌ * والموتُ في شأنِ الإلهِ حياةُ
الجبنُ عارٌ والشجاعةُ هيبةٌ * للمرءِ ما اقترنت بها العزُّماتُ”.
هذه الأبيات تشيدُ بأخلاق البطولة؛ فالخوف مذمومٌ والشجاعة مكرّمة. كما حمل “ود البنا” في شعره رسالةً تحفيزية للجنود تذكرهم بالتضحية والفداء.
كذلك نشيد العلم السوداني لـ إدريس جمّاع يتجلّى فيه الفخرُ والاعتزاز بالوحدة والتضحية:
“أنتَ حُرٌّ فامشْ حُرّاً * تحتَ خفقِ العلمِ
بالفداءِ بالدماءِ بالإخاءِ بيننا * قد صمدنا في النضال ننشد استقلالنا”.
تكرر عبارة “أنت حر فامش حرا” لتؤكد نهج الحرية والاستقلال، ويصور النضال الطويل للوطن خلف ذلك العلم.
الوصف والطبيعة
يشتهر الشاعر السوداني بقدرته على وصف الطبيعة بمنتهى البلاغة، مستلهماً ألوانها وصورها المجازية. فعند الحديث عن جمال الطاووس مثلا، يلقي عبد الرحمن الريح (أو محمد الريح) بيتاً غنائياً رصيناً:
“ملِكُ الطيورِ ارقصْ وسطَ الطيورِ نشواناً * خلِّ الزهورَ تفتحْ مختلفةَ الألوانِ
ارقصْ! وهل في الكونِ طائرٌ جميلٌ مِثْلَكَ * بهوَ الوجودِ مفتونٌ من درك المكنونِ؟”.
فيه تصوير للطاووس راقصاً بين الطيور، والزهور تتفتح حوله بألوان متعالية، وقد أُسِّر الكونُ لوسامته.
ومن مظاهر الطبيعة المبدعة أيضاً قصيدة “تغريبة المطر” للشاعرة روضة الحاج. يقول فيها مطلعها:
“إذْ أمطرتُ ناديتُ ** مدَّ مواجعي
لو تغسلين جراحنا ** مثلَ الشجرِ
لو تُنبتين الميْتَ من أحلامنا ** مثلَ الشجرِ
لو تُرجعينَ أحبةً رحلوا ** مثلَ الشجرِ”.
تستعمل الشاعرة مشهد المطر كرمزٍ للتطهير والشفاء، فتتمنى أمطاراً تغسل جراح الناس وتنبت الأمنيات الميتة.
وهناك أيضاً أوصاف لآيات الله وخلق الطبيعة مُبهرة الحس. يقول خليل فرح في مدحه لنيل السودان:
“يا نيلَنا يا نيل الحيا * حياك حياءَ الخُطى الحيا
يا مهبطَ النورِ والحيا * حياكَ حياكَ الحيا!”.
يشبّه الشاعرُ النيلَ الأبدي بالنور والحياة، ويعطيه ألقاباً ترمز إلى الصفاء والخير. ويتكرر فيه “حياك” تأكيداً للعطاء المستمر للنيل. لقد امتلأ هذا النيل الصديق بالعواطف الصادقة والحياة، حتى يجلب السعادة لأرواح الشاعر وأمته.
الحكمة والموعظة
يُحرص الشعراء السودانيون على تضمين قصائدهم حكمًا أخلاقية ومواعظ في حياة الناس. من أمثلة ذلك قول عبد الله الطيّب الحكيم:
“لا تسألِ الكذابَ عن نياتهُ * مادامَ كذابًا عليكَ لسانهُ
ينبئكَ ما في وجههِ عن قلبهِ * إنَّ الكتابَ لسانُهُ عنوانُهُ”.
في هذه الأبياتُ خلاصة تنبيه موجّه لمن تحذّره الأعراف بأن لا تثق بالكاذب، فحديثه لا يعبّر إلا عن نفسه. وقد انتشر هذا البيت في الثقافة السودانية كحكمة قيلت بصيغة شعرية بليغة.
ولا تقتصر الحكم على أمثال كهذه، بل يمتد المضمون إلى توجيهات اجتماعية ودينية مثل توصية المحسنين أو النقد الاجتماعي، لكن الفكرة العامة تظل أن “حكمة الشعر” رافد مهم في الفكر السوداني.
المديح والمدح النبوي
يمتد مدحُ المصطفى والنبي في الشعر السوداني الفصيح، تعبيرًا عن وطنيّة إسلامية ومحبة للتاريخ. قصيدة “مدينتك الهدى والنور” للشاعر محمد المكي إبراهيم مثال على ذلك. تصف المدينة المنورة بلون مدحٍ نبوي رائع، فيقول معانٍ تقول:
“من الزمنِ الكئيب وناسه ** لذنا بنورك
ومن شحِّ النفوسِ ودائها المودي ** لنا بجمالك استعصام
مدينتُكَ الهدى والنور ** وتسبيحُ الملائكةِ في ذؤاباتِ النخيلِ”.
هذه الأبيات تعبّر عن حالة روحية عالية؛ فقد غمر الله المدينة بنورها في أحلك الظروف (“من الزمن الكئيب”)، وهي منهُلٌ للجمال الإلهي (“ليستعصم لها المريدون”). ويعدُّ الشاعرُ المدينة حضانة للسكينة والتسبيح الملائكي، حتى أصبحت “أقربَ الدنيا إلى بابِ السماء”.
ولم يقتصر المديح على المدينة فقط، بل مدح الشعراءُ الأوّلين والأجداد أحيانًا. لكن الأبرز في الشعر السوداني الحديث هو فخر الاقتداء بالرسول وبروح التشبّث بالقيم. وينبع المديح أيضاً من حبّ الوطن نفسه، باعتباره أغلى معاني الحياة.