إدريس محمد جماع (1 يناير 1922 – 27 مارس 1980) هو شاعر سوداني من قبيلة العبدلاب بمنطقة حلفايا الخرطومية. حفظ القرآن منذ صباه، وتلقى تعليمه في السودان ومصر، وعملَ معلماً وشيخاً لقبيلته. اشتهر بإحساسه الرقيق وصوره الشعرية الحسّية، وله ديوان شعري وحيد بعنوان «لحظات باقية» (1969). على مدى حياته كتبَ قصائد ذات طابع وجداني ووطنية، حازت على إعجاب النقّاد، ولا سيما الشاعر المصري عباس محمود العقاد الذي أثنى على خياله الشعري. ورغم إنتاجه المحدود، وُصف شعره بأنه «دافق بالإنسانية» وذات لغة نقية. في سنواته الأخيرة انهار صحياً ونفسياً؛ فقد أُصيب بمرض عضال أعقبه اضطراب نفسي دفع أهله لإرساله إلى الخارج للعلاج. وقد قضى جماع بقية حياته في مصحة نفسية حتى وفاته عام 1980 عن 58 عاماً.
حادثة التغزل بالممرضة
تروي المصادر أن إدريس جماع نُقل للعلاج في لندن أثناء مرضه العضال. هناك أعجب جمال عيون الممرضة الإنكليزية التي كانت تتولى حالته، فتأثر بها بشدة. وبحسب الروايات، استمرّ في التحديق في عينيها حتى شكتْ ذلك لمدير المستشفى. فأمر المدير الممرضة بارتداء نظارات شمسية تغطي عينيها، فلما رأى جماع النظارات مستورة أمام عينيها، أنشد هذا البيت الغزلي الشهير:
«وَالسَّيْفُ فِي الغَمْدِ لَا تُخْشَى مَضارِبُهُ،
وَسَيْفُ عَيْنَيْكِ فِي الحَالَيْنِ بَتَّارُ».
وهذا البيت – الذي قُرِن في كثير من الكتابات بعبارة «السيف في الغمد لا تُخشى مضاربه، وسيف عينيك في الحالين بتّار» – يصف العينين على أنهما كسيفَيْن حادّيْن لا يرحمان، مما يعبّر عن مدى إعجابه وقوّة وقع نظرات المحبوبة. وبحسب المصادر، بكت الممرضة تأثراً عندما تُرجم لها معنى الأبيات، كما أشار بعض الكتّاب إلى أن هذا البيت صُنف بين أجمل أبيات الغزل في العصر الحديث.
دوافع وأسباب التغزل
لا توجد شهادة مباشرة من جماع عن دوافعه، لكن الكتابات الأدبية تربط ذلك بشخصيته العاطفية والأوضاع التي كان يعيشها. فقد وُصف الشاعر بأنه «عاشق للجمال» همّه أينما وجد، وميله للحزن والتأمل العميق انعكس في شعره الواقعي والوجداني. ويُرجّح النقّاد أنه في حالة صحية ونفسية متأزمة اختبرتها سنواته الأخيرة، استحوذت على وجدان الشاعر نظرة الممرضة الجميلة، فحوّل هذا الإعجاب الفجائي إلى قصيدة غزلية قصيرة. ومن زاوية أخرى، تكثّفت الرّمزية في الحدث: فالممرضة هنا ربما تمثّل رمزًا للشفاء والجمال، وتحمل النظارة السوداء طابعاً درعياً أو ساتراً لجمالها، ما زاد من قوتها المعبّرة في عيون الشاعر. تبقى دوافع التغزل خليطاً من عوامل شخصية (حالة المرض والوحدة والحب المستحيل) ورومنسية فنية (ميله إلى تصوير الجمال بشاعرية)، ما يجعل البيت مثالاً على كيفية انصهار الشعر والحياة في زمن الأزمات.
الأثر الإعلامي والثقافي للحادثة
انتشرت هذه القصة سريعاً في الأوساط الثقافية والإعلامية العربية على مواقع الويب ووسائل التواصل الاجتماعي. فقد تناولتها مقالات في صحف عربية (مثل «الزمان» العراقية و«الأمصار» و«الجزيرة» السعودية)، ونُشِر البيت نفسه في صفحات أدبية كثيفة التداول. وصُوّر الحدث على أنه إحدى «الحكايات المدهشة» في أدب الحب الحديث، إذ يوصف هذا البيت الشعري أحياناً بأنه «أبلغ بيت شعر غزل في العصر الحديث». عموماً، لم يُثر التغزل بالممرضة جدلاً سياسياً أو أخلاقياً واسعاً، بل استقبل بتعجب واهتمام عام. فقد جذب تأليف الشاعر بين الرومانسية والقسوة إعجاب الجمهور والمنتديات الأدبية السودانية والخليجية، ليُصوّر على أنه ظاهرة ثقافية مثيرة تستحق القراءة والتأمل. وأصبح البيت متداولاً في أغلب حسابات الشعر السودانية، وغنى بعض المغنّين السودانيين أبياته أو مقتطفات منه، مخلّدين ذكرى الحادثة في ذاكرة الأدب الشعبي.
التحليل الأدبي والنقدي
يأتي بيت جماع بلغة عربية فصيحة وبصياغة كلاسيكية بديعة، مستعملاً صورًا بلاغية قوية. فقد استعارة عيون الممرضة إلى «سيف» بهزلٍ شاعري: فالبيت الأول يطمئن بأن السيف في غمده غير مضرّ، ثم يقلب المعنى في البيت الثاني بأن سيف عينيك قاتل في كل حال، حتى مغلقة العينَين. هذه الصورة تشكّل مفارقة فنّية بديعة بين الاستتار والظهور؛ فالعيون تبقى فتاكة رغم أي حجب. ويشير النقّاد إلى أن هذه الصورة تذكر بأشعار عربية قديمة في الغزل الصادق، فقد قورن بيت جماع ببيت من العصر الأندلسي لابن اللبانة في تصويره عيني المحبوبة كسيفٍ في غمد. وقد وصف بعضهم هذا البيت بأنه «أغزل بيت في الشعر الحديث».
أسلوب الشاعر في هذه الأبيات يأتي ضمن مدرسة الديوان التجديدية السودانية: يعتمد في بنيته على الشطر المقطّع ووحدة الوزن الكلاسيكية، ويتفادى قصيدة التفعيلة الحديثة تماماً. اللحن الداخلي هادئ وسلس، لكن المعنى مشحون بالحنين والألم، كما يتماسك البيت بقافية عربية مؤثرة. تشي رَمزية الممرضة في النص بأن العينين (غالباً إشارةً للروح والجمال الخفي) تحولتا إلى سلاحٍ لا يُقاوم، مما يشير إلى قوة الحب السّاحرة وألم الفقد. من الناحية النقدية، نوه الباحث عبده بدوي إلى أن خاصية شعر جماع الأساسية هي «إحساسه الدافق بالإنسانية وشعوره بالناس من حوله»، مما يفسر التصاقه الصادق بموضوعه العاطفي رغم اختلاف الظروف.
المغزى والدلالة في السياق السوداني
تجسد هذه القصة – في السياق الأدبي والثقافي السوداني – صورة الشاعر العبقري الذي اختلط عبق إبداعه بمعاناته. فقد بات إدريس جماع رمزًا للشاعر المرهف الذي أنتج أسمى صور الحب رغم قسوة محيطه وظروفه الصحية الصعبة. وتوحي الحادثة بأن الجمال الإنساني موجود في أبسط المواقف (حتى في مستشفى علاج)، وأن إلهام الشعر قد ينبع من ألم الشوق والمرض. كما أن تفاعل الكتاب مع القصة يعكس اهتمامًا سودانيًا عامًا بحفظ تاريخ أدبهم وأمثاله؛ فقد أكد كاتب سعودي أن جماع «ما زال في قلوب السودانيين وأهازيجهم وأزجالهم الغنائية»، وهو ما يدل على أن مأساته وقصيدته قد صارا جزءاً من التراث الشعبي. بالمجمل، تنطوي هذه الحكاية على دلالتين: شخصية إنسانية في الحب تجاوزت حدود العقل، ورمزية جامعة لقيمة الإبداع في المجتمع السوداني الذي لم ينل شاعره العُرفان الكافي في حياته.
مواقف وتعليقات
تناولت الأقوال الأدبية هذه الحادثة بإعجاب ودهشة. فقد وصف عباس محمود العقاد في حواره مع أحد المرافقين البيتَ، وعلق: «لعمري لا يكتب مثل هذه الأبيات… إلا مجنون حقيقي!»، مؤكداً أن هذه البلاغة تفوق عقل المعتادين. بالمقابل، نقلت بعض المصادر العربية عن الكاتب ياسر غريب دعوة للحذر من وصفه بالجنون، مشيراً إلى أن إبراز براعة أبياته دليل على فنّه الخارق. فقد كتب غريب: «طارد البؤس إدريس جماع حياً وميتاً حتى أصبح الرائح والغادي ينشد له أشهر أبيات البؤس»، واعتبر أن ما اختلَف فيه ليس سوى ذكاء فني ليس بالضرورة أن يفهمه الجميع. كما نوه الباحث عبده بدوي بأن شعره يُميّزه إحساس إنساني عميق. لم تصدر أي أقوال مباشرة من الممرضة نفسها (وهو أمر متوقّع لخصوصية الحالة) أو من جماع بعد الواقعة، لكن البيت المتداول كُفيل بأن يبقى وحده المتحدث، وقد شكّل طوال عقود مادة تأمل ونقاش.