السودانيون ذوو البشرة البيضاء هم شريحة ذات اختلاط عرقي وجيني متنوع في النسيج السكاني السوداني. فالسودانيون أصحاب البشرة الفاتحة لا يعودون إلى أصل واحد موحّد؛ فقد واكب تاريخ السودان موجات هجرة مختلفة جلبت جينات متنوعة من الشرق الأوسط وأوروبا وشمال أفريقيا. مثلاً يُطلق على الأفراد ذوي البشرة الفاتحة جداً في السودان اسم «الحمرا»، وقد يُشار إليهم أحياناً بـ«حَلَابي» تيمّناً بمدينة حلب السورية، وذلك راجع إلى هجرة مجتمعات شامية قديمة إلى السودان. ويشمل هذا المصطلح أيضاً السودانيين من أصول مصرية (ولا سيما سكان حلايب المحاذية للحدود المصريّة) وأولئك الذين يمتازون بـ(شعر داكنٍ وبشرة فاتحة). بالمقابل يُستخدم وصف «الأصفر» للدلالة على السودانيين ذوي البشرة البيضاء المائلة إلى الصفرة (كما في العرب الخليجيين)، بينما يُنعت أهل منطقة حلايب على الحدود باسم «حلايبي». ويُعتبر هؤلاء ذوو الأصول المختلطة أحياناً «أطهر» أو «أجدر» بأصل سوداني صرف.
-
أصول شامية ومصرية: ينحدر العديد من أصحاب البشرة البيضاء في السودان من مهاجرين عرب أو شاميين قدِموا إلى السودان قديماً. فاللقب الشائع «حِلَابي» يشير إلى أصول شامية (سورية/حلبية)، ويشمل كذلك السودانيين من أصول مصرية انحدر أسلافهم إلى مصر ثم إلى السودان.
-
أصول أوراسية وحوض البحر المتوسط: أظهرت الدراسات الوراثية الحديثة امتزاجاً وراثياً بين السودانيين وشعوب الشرق الأوسط وأوروبا. فعلى سبيل المثال، توصل تحليل لقاحات (HLA) إلى أن العينة السودانية المختلطة تقارب جينياً شعوب البحر المتوسط الشرقي (تركيا، إيران، مصر، وحتى إيطاليا وإسبانيا). وقد وُجد أن أحد أكثر النمط الوراثي (الهبلوتيب) انتشاراً في عينتنا السودانية هو متوسطي/أوروبّي المنشأ.
-
أصول أوروبية محددة: ثمة أمثلة تاريخية بارزة على وجود أصول أوروبية. فقبيلة المَجَارِب (Magyarab) في منطقة النوبة (شمال السودان وجنوب مصر) تتحدر أصولهم من جنود هنغاريين (مجر) استقروا بالمنطقة في القرن السادس عشر الميلادي. ولا يزال أحفادهم يحتفظون بهوية مميزة على ضفاف النيل.
-
أصول إفريقية بشتات أوسع: بعض المجموعات السودانية الأخرى ذات البشرة الفاتحة نسبياً، مثل فروع من قبائل البجا في شرق السودان (بني عامر مثلاً)، يعود جزء من تكوينهم إلى امتزاج مع الشعوب السَمحاء القديمة وحركات سكانية من القرن الأول الميلادي فصاعداً.
إن التنوّع الجيني للبشرة الفاتحة لدى السودانيين ناتج أساساً عن تركيب وراثي معقّد. فالجينات الموروثة للتحكم بلون البشرة متعددة ومختلفة، وقد يحمل كل أبوان غامقان في البشرة حوامل للجينات الفاتحة. وكنتيجة لذلك، قد يولد ابن أو بنت فاتحا البشرة من أبوين داكني البشرة إذا ورثت نسخة مهيمنة لجينات البشرة الفاتحة من كلاهما. فكما يوضح نموذج الغش الوراثي، إذا ورث الطفل «ورقات خفيفة اللون» من كلا الوالدين (وهي أورثات أقل وجوداً لكن ممكنة)، فإن بشرته قد تصبح فاتحة جداً، حتى أكثر من والديه. هذا المبدأ يفسر أحوالاً نادرة في السودان والعالم حيث تجد طفلاً أفتح لوناً من والديه، نظراً لتوزيع الأليلات الوراثية المعقد.
التوزيع الجغرافي الحالي
تنتشر مجموعات السودانيين ذوي البشرة البيضاء ضمن مناطق محدّدة في السودان وفي الشتات. ففي الشمال يتركزون حول النيل وأواسطه، خصوصاً بين قبائل النوبة (مثل المجازرب والنوبة) والفلاحين في مناطق شندي والدنقلا، حيث تقترب خصائص بعضهم من تلك المصرية-النوبية. كما يُعثر على عدد منهم في أقصى شمال السودان قرب مدينة حلايب الحدوديّة، وهي منطقة تاريخياً مهاجرة لمصريين ومختلطة عرقياً. وفي الشرق يغلب الطابع القوقازي والبحر-متوسطي لدى أبناء قبائل البجا (بني عامر والحيداب مثلاً)، الذين يشتهرون أحياناً بأعين فاتحة وبشرة أفتح من السودانيين الجنوبيين. ومثال آخر، يتوزع المجازرب على طول النيل في وادي حلفا، وتنتشر مجموعات من هنغاريي السودان وذريتهم في تلك المناطق.
لا يقتصر الأمر على السودان وحده؛ فقد هاجر بعض السودانيين ذوي البشرة الفاتحة مع موجات النزوح إلى دول الجوار أو إلى الخليج، بحثاً عن فرص عمل. ولكنّ التركيز الأكبر يبقى داخل البلد حيث تستقر هذه المكونات ضمن المشهد الاجتماعي المتنوّع. ورغم أن الفوارق اللونية هذه ليست شائعة المجتمع السوداني الذي يضمه أغلبية داكنة البشرة، إلا أنّ وجود مصطلحات محلية مثل «حلايبي» و«حلبّي» و«أصفر» يكشف عن قبول مجتمعي ضمني لهذا التنوع.
المراجع: تظهر التحليلات التاريخية والاجتماعية والعلمية أن السودانيين ذوي البشرة الفاتحة ينحدرون من أصول متنوعة في الشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا. وتشير الدراسات الوراثية إلى اقترانهم الجيني بشعوب البحر المتوسط والأوراسيين، كما يفسّرها المبدأ الوراثي القائل بإمكانية ولادة طفل فاتح البشرة من أبويْن داكنيّين. جميع هذه المعطيات تؤكد التنوع الواسع في أصول «السودانيين ذوي البشرة البيضاء» وتوزعهم التاريخي حتى اليوم.